عرض مشاركة واحدة
قديم منذ /03-07-2021   #1

المستشار

المستشار غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 303
 تاريخ التسجيل : Jun 2009
 المشاركات : 2,376
 النقاط : المستشار is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 16

افتراضي بين النظرة الحدية والنظرة الواقعية

بين الحدية والواقعية
إن النظرة التحليلية العميقة لأحوال البشر في هذا الكون يلاحظ أن الناس يتمايزون بنظرتهم ومواقفهم وآرائهم وسلوكهم في الغالب بين نظرة قطبية أو حدية في إتجاه وبين نظرة قطبية وحدية في إتجاه آخر مقابل ,وهؤلاء يشكلون الغالبية العظمى من الناس في عالمنا الثالث , الناس في عالمنا لا يرون إلا لونين فقط إما أبيض أو أسود , والناس في نظرهم إما ملائكة أو شياطين , والأمور بنظرهم إما خير مطلق أو شر مستطير , وهم في عالمنا الثالث ينطلقون من مبدأ أو قاعدة " الكل أو لاشيء " وهذا في نظري أحد الأسباب التي تعيق التطور في عالمنا .
من الملاحظ في مجالسنا , أو على صفحات التواصل الإجتماعي عند طرح أي فكرة أو رأي أو موضوع ,أو التعرض لشخصية تاريخية أو سياسية , أو تقييم حقبة , أو ظاهرة معينة , فإن الحاضرين ينقسمون على الغالب إلى رفض مطلق للطرح , أو تأييد تام بلا تحفظ وهؤلاء يشكلون بصدق أكثر من 95 % من الناس وهذه هي النظرة الحدية , هناك قلة فقط تشكل 5 % تدرس الموضوع بتجرد ومنطقية وتفكك الطرح إلى مكوناته وجزئياته فتقبل وتؤيد الإيجابي منها وتتحفظ على الأجزاء السلبية وتبدي الإستعداد والتعاون للإستفادة من الأجزاء الإيجابية في الطرح.
إن تفكيك أي موضوع إلى مكوناته وجزئياته يمكننا تحديد المكونات أو الجزيات الإيجابية فنؤيدها ,وتحديد المكونات والجزئيات السلبية فنبدي تحفظنا تجاههاوهذه هي النظرة الواقعية .
إن مرد هذه الظاهرة يعود بالأساس لأسلوب التربية في عالمنا الثالث , حيث يوجد هوة كبيرة بين المثل العليا وبين إمكانية التطبيق في الواقع , والذي يؤدي في كثير من الأحيان عند عدم التمكن من الوصول إلى المثالية إلى الإحباط الذي يؤدي بدوره إلى حالة نقيض المثالية وذلك بسبب تربيتنا و ترسخ قاعدة " الكل أو لاشيء " في عقلنا الباطن بمعنى إذا كنا لا نستطيع أن نكون مثاليين فلا خيار لنا إلا أن نكون سيئين !!!!!!!!
إن هذه الذهنية التي يعيشها الكثيرون في عالمنا وفي مجتمعاتنا مع أنها غير سليمة إلا أنها قد تكون مفهومة ( وليس مقبولة ) على الصعيد الفردي , إلا أن لها نتائج كارثية لدى ممارستها على مستوى العقل الجمعي في المجتمعات مما يؤدي إلى الإنغلاق , وتوقف عجلة البناء والتطور في المجتمعات , وهدر للطاقات , وتحول الناس من قوى فعالة وبناءة , إلى طاقات معطلة في أحسن الأحوال هذا إن لم تتحول إلى طاقات سلبية تساهم في تعميق تردي أحوال المجتمع .
الأمم التي تقدمت وتطورت تقوم أسس التربية فيها والرأي العام والعقل الجمعي لديها على روح ومبادئ واقعية وتتسم مواقفهم ورغباتهم وفق نظرية " فن الممكن " .
وهنا أحب أن أشير أن عملية تغيير الثقافة والنظرة للأمور من الحدية إلى الواقعية ليس بالأمر الهين واليسير سواء على الصعيد الفردي أو المجتمعي وأحسب أنني إحتجت لحوالي 30 عاما لأتحول في تفكيري ونظرتي وسلوكي من النظرة الحدية إلى مجال الواقعية .
ولذا فإنني أعتقد أن التحول إلى الواقعية الإيجابية في المجتمعات يحتاج لوقت أطول ولجهد أكبر نخرج به من الثقافة المدمرة التي نعيشها .











 
التوقيع - المستشار

أنا من " آل منتدى البوخابور "

  رد مع اقتباس